تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأخبار

العدالة الالكترونية

Dr. Zain Sharar
يناير 19 2022

بقلم الدكتور زين العابدين شرار

أولت العديد من الدول في السنوات الأخيرة اهتماما كبيرا وملحوظا لتطوير منظومتها القضائية التقليدية، وكانت حريصة على مواكبة التطوّر التقني والتكنولوجي المتسارع في مجال التقاضي، وذلك بهدف تعزيز نظام العدالة وسيادة القانون، والتغلب على تحديات تحقيق العدالة الناجزة، لاسيما بعدما تفشت جائحة كورونا وما فرضته تداعياتها على واقع الحياة العملية تمثلت بعضها بالتدابير الوقائية والقيود على الحركة والتنقل، والتي أدت بدورها في بعض الأحيان إلى عرقلة وتأخر وصول الحقوق لأصحابها.

وعلى ذلك، قامت تلك الدول بتعزيز وتطوير منظومة البنية التكنولوجية بمحاكمها بهدف التوظيف الأمثل للتكنولوجيا وتسخيرها في مجال العدالة وإدارة المحاكم. ولذلك ظهر في الآونة الأخيرة العديد من المصطلحات المستحدثة في المجال القضائي، فأصبحنا نسمع بمصطلحات العدالة الالكترونية، والمحكمة الالكترونية، ورقمنة المحاكم، ونظام التقاضي الالكتروني، وغيرها من المصطلحات والتي افرزتها التطورات القضائية الأخيرة على طبيعة عمل المحاكم. ويقصد بمصطلح العدالة الالكترونية هو إنشاء منظومة قضائية تكنولوجية متكاملة توفّر مجموعة من الخدمات الإلكترونية الآمنة، بحيث تتيح إمكانية رفع الدعاوى وقيدها، وإعلانها، وتبادل المذكرات، وتحديد الجلسات، والإخطار بمواعيدها، والتقاضي أمام المحاكم باختلاف أنواعها ودرجاتها عن بعد، حتى صدور الحكم، وذلك من خلال استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة، ودون التوجه للمحكمة، مما يسهم في تيسير إجراءات التقاضي وتحقيق العدالة الناجزة وتخفيف العبء على المتقاضين.

كما يقصد بمصطلح المحكمة الإلكترونية هو النظام الإلكتروني المختص بخدمات المحكمة والذي يسمح بأن تكون جميع الإجراءات القضائية إلكترونية ًبدءًا من رفع الدعوى وقيدها، وحضور جلساتها، إلى صدور الحكم فيها باستخدام شبكة المعلومات (الانترنت) والنظام الإلكتروني للمحكمة وإمكانية الاتصال عن بعد، ودون الحاجة للحضور شخصيا إلى مرافق المحاكم للقيام بتلك الإجراءات. ويترتب على ذلك إنجاز المحاكم للقضايا بعدالة وسرعة، وتحقيق مفهوم ما يُعرف اصطلاحا بالعدالة الناجزة، ناهيك عن تبسيط الإجراءات وتوفير الوقت والجهد على المراجعين والمتقاضين ووكلائهم القانونيين والذين قد يقطعون المسافات الطويلة لمجرّد الاطّلاع على مواعيد الجلسات أو تقديم المذكرات أو أي مستندات أخرى في دعاويهم المنظورة أمام القضاء.

ويلاحظ مما تقدم بأن مصطلح العدالة الالكترونية يكاد يكون له نفس المعنى تقريبا لمصطلح المحكمة الالكترونية، ولذلك يستخدم مصطلح العدالة الالكترونية في كثير من الأحيان كرديف لمصطلح المحكمة الالكترونية، والعكس صحيح. وأما المقصود بمصطلح رقمنة المحاكم أو ميكنة المحاكم فيعني عمليّة تحويل كافّة الإجراءات التقليدية بالمحاكم إلى إجراءات إلكترونية، ويتضمن ذلك تحويل كافة الإجراءات الورقية إلى إجراءات إلكترونية، وتوفير كل الأدوات اللازمة للسادة القضاة لنظر الدعاوى والاطلاع على ملفاتها وكافة المذكرات والمستندات المتعلقة بها إلكترونيا، وبالتالي أداء مهمتهم بالشكل الأكمل، بالإضافة إلى إتاحة خدمات التقاضي عن بعد، وخدمات الإعلان الالكتروني، وتوفير نظام إدارة الدعاوى الإلكتروني، و خدمات الأرشيف الإلكتروني.

وأما مصطلح نظام التقاضي الالكتروني فيعني النظام الالكتروني الذي يسمح للمتقاضين من خلاله بالقيام بإجراءات رفع الدعوى إلكترونيا، وإعلانها بواسطة البريد الالكتروني بدلا من الإعلان التقليدي، وتبادل المذكرات الممسوحة ضوئياً محلّ المذكّرات والخطابات المطبوعة، والتداعي أمام المحاكم إلكترونيا، بل واستئناف الأحكام الابتدائية الصادر فيها، بالإضافة إلى حضور الجلسات عن بعد وبواسطة وسائل الاتصال المرئية الحديثة بدلا عن الحضور الفعلي للجلسات. ونخلص مما تقدم إلى أن جميع المصطلحات أعلاه وبشكل عام تشير إلى استخدام الأدوات والوسائل الالكترونية في إجراءات المحاكم وتسخير التكنولوجيا في خدمة العدالة.

ولقد حرص المجلس الأعلى للقضاء في دولة قطر على تطوير نظام العدالة الإلكتروني بمرافق القضاء، حيث يعكف المجلس حاليا على تنفيذ خطة وطنية شاملة لتحديث المحاكم والتحوّل الرقمي بإجراءات التقاضي. ويوفّر المجلس حاليا مجموعة من الخدمات القضائية الإلكترونية للمتقاضين والمراجين والمحامين عبر الموقع الالكتروني الرسمي للمجلس على شبكة الإنترنت، والتطبيق الخاص بالمجلس على الأجهزة الذكية، بالإضافة إلى خدمات الإشعارات والاخطارات القضائية بشكل الكتروني من خلال الرسائل النصية.

و تجدر الإشارة إلى أن محكمة قطر الدولية قد دشنت قبل عامين تقريبا نظام المحكمة الالكترونية الخاص بها و الذي يسمى باللغة الإنجليزية ب eCourt . ويسمح هذا النظام بإمكانية رفع الدعوى وقيدها، وإعلانها، وتبادل المذكرات، وحضور الجلسات عن بعد، والاستعلام عن كافة الإجراءات التي تمت في الدعوى إلكترونيا ودون الحاجة للحضور شخصيا.

وفي الختام، نرى بأن الاتجاه السائد نحو ميكنة المحاكم يعد خطوة كبيرة في زيادة الثقة في سرعة وفاعلية المنظومة القضائية، وسرعة الفصل في الدعاوى، والمساهمة في تحقيق العدالة الناجزة.

Services

Decorative Pattern

أدوات الوصول